باقلامكم

محمّد رمضان، فنَّانٌ مُفترٍ أَم إِنسانٌ مُفترى عليه؟

 

بقلم:رافع آدم الهاشميّ

………

بالكادِ تمرُّ عِدَّةَ أَيَّامٍ حتَّى أَجدُ أَماميَ منشوراً على أَحدِ مواقع التواصل الاجتماعيّ يتناوَلُ فيهِ صاحبُ المنشورِ ذات العَلاقةَ، جانباً مُحدَّداً من جديد أَعمال الفنَّان محمَّد رمضان، وَ لكن!

– بأَيِّ شكلٍ يكونُ التناولُ هذا؟

شكلٌ يخلو منَ النظرة العلميَّةِ الأَمينةِ لماهيَّةِ الأَحداثِ وَ سَيرِها، ناهيك عن خلوِّهِ سبرها حتَّى وَ لو كانَ سَبراً أَوَّليَّاً غيرِ دَقيقٍ؛ إِذ أَنَّ أَصحابَ هذه المنشورات يكيلونَ اللعناتَ وَ التُهمَ إِلى الفنَّانِ محمَّد رمضان، لدرجةِ اِتَّهامهم إِيَّاهُ بأَنَّهُ أُسُّ الفسادِ المستشريّ لدى عددٍ غيرِ قليلٍ من الشَّباب! بل أَنَّ الأَمرَ لم يتوقّف عند هذا الحدِّ، وَ ليتهُ توقّفَ الأَمرُ إِلى هُنا، فَهُوَ أَخذ شكلاً أَكثرَ خطورةٍ؛ بتوجيههم الاتِّهام أَيضاً إِلى المنتج مُحمَّد السبكيّ بأَنَّهُ المظلّةُ الرئيسيَّةُ في تمويلِ الفسادِ على مُستوى الوسطِ السينمائيّ مِن أَقصاهُ إِلى أَقصاه!

– وَ مَن الجهةِ الّتي أَجازت ترخيصَ هذا الفسادِ المزعوم؟!

بربك أَنت:

– هل رأَيت مدى خطورةِ اتِّهاماتهم تلكَ وَ إِلى أَيِّ مَدىً يَرمونَ التُّهمةَ عليه وَ يُرومونَ الوصول إِليه مِن هذهِ الاتِّهامات؟!

ما أَحزنني حقّاً؛ هُوَ أَنَّني أَرى تعليقاتَ الكثيرينَ على مثلِ هذهِ المنشوراتِ بموافقةِ محتوى المنشوراتِ هذهِ وَ الانضمامِ إِلى صفوفِ اللاعنينَ وَ الْمُتَّهِمين (بكسرِ الهاءِ لا بفتحها)! مِمَّا جعلني أَسأَلُ نفسيَ سؤالاً حياديَّاً للغايةِ جدَّاً:

– محمّد رمضان، فنَّانٌ مُفترٍ أَم إِنسانٌ مُفترى عليه؟

قبلَ أَن أَخوضَ في بيانِ الإِجابةِ عن هذا السؤال، لا بُدَّ أَن نكونَ على عِلمٍ معاً (أَنا وَ أَنت) أَنَّ:

– الفَنَّانُ هُوَ: صاحِبُ الموهبةِ الفنيَّةِ، كالشَّاعرِ وَ الكاتبِ وَ الموسيقيِّ وَ المصوِّرِ وَ الْمُمثــِّلِ، وَ الفَنٌّ هُوَ: مهارةٌ يحكُمُها الذوقُ وَ المواهِبُ وَ الجَمعُ، وَ هُوَ جُملةُ الوسائل الّتي يستعملها الإِنسانُ لإِثارةِ المشاعرِ وَ العواطفِ، بخاصَّةٍ عاطفة الجمال، كالتصويرِ وَ الموسيقى وَ الشِّعر.

– وَ الإِنسانُ هُوَ: الكائنُ الحيُّ المفكِّرُ الّذي يتميَّزُ بسموِّ خُلُقهِ وَ يأَنسُ بأَخيهِ الإِنسان.

– وَ الافتراءُ هُوَ: الاختلاقُ وَ الادِّعاءُ زوراً وَ بُهتاناً، وَ فاعِلُهُ يُسمَّى بـ (مُفترٍ)، وَ افترى الشخصُ القولَ؛ أَيّ: اختلقَهُ أَوِ ادَّعاهُ فكانَ كاذباً فيهِ.

مِمَّا مَرَّ مِن بيانٍ للأَلفاظِ في أَعلاهِ، نجدُ أَنَّ الفنَّانَ، وَ منهُم محمَّد رمضان، ذو شخصيِّتينِ؛ هُما:

(1): شخصيَّةُ الإِنسان.

(2): شخصيَّةُ الفنَّان.

وَ عند التدقيقِ جيِّداً في أَعماقِ المعاني المذكورةِ سلفاً، خاصَّةً عندَ الإِبحارِ في يَمِّ ما وراء ورائها، نتيقّنُ مِن الحقيقةِ التالية: أَنَّ كُلَّ فنَّانٍ إِنسانٌ، وَ ليسَ كُلَّ إِنسانٍ فنَّانٌ!

– ما الّذي يعنيهِ هذا؟

يعني: أَنَّ الفنَّانَ لم يكن فنَّاناً (وَ لن يكون) إِن لَم يكُن قبلَ ذلكَ إِنساناً، وَ الفارقُ بينَ الإِنسانِ الفنَّانِ وَ الإِنسانِ غيرِ الفنَّانِ هُوَ ما أُطلِقُ عليهِ شخصيَّاً مُصطلحَ: (إِبداعُ الموهبة).

إِنَّ كُلَّ إِنسانٍ في الوجودِ يمتلِكُ موهبةً ما، رُبَّما تزيدُ عَن عِدَّةِ مواهبٍ مُجتمعةٍ معاً، وَ لا تقلُّ عن موهبةٍ واحدةٍ مُطلقاً، إِلّا أَنَّ إِبداعَ الموهبةِ من عدمهِ هُوَ الّذي يُحدِّدُ لهذا الإِنسانِ أَن يكونَ فنَّاناً أَو لا يكون.

وَ لإِبداعِ الموهبةِ هذا شروطٌ وَ مُمُيِّزاتٌ مُحدَّدةٌ لا بُدَّ مِن توفّرها وَ توافرها حتَّى يتمكَّنَ صاحِبُها مِن الوصولِ إِلى شخصيَّةِ الفنَّان، لا يسَعُ المقالُ هُنا سرَدها وَ توضيحَها؛ حِفاظاً على وحدةِ الموضوع وَ عدمِ تشعُّبِ الكلامِ فيهِ.

إِنَّ انجازات محمَّد رمضان الفنيَّة، هيَ انجازاتٌ إِبداعيَّةٌ بامتيازٍ، بما فيها تلكَ الّتي يرى فيها البعضُ أَنَّها تحثُّ الشّبابَ على التحرُّرِ مِن سطوةِ أَفكارِ الماضين بالانجرارِ خلفَ بهرجةِ أَفكارِ القادمين، وَ إِذ أَنَّهُ فنَّانٌ، كانَ لا بُدَّ لَهُ من عَرضِ الجانبينِ الواقعيينِ للشيءِ الْمُنجَزِ، تارةً مِن جانبِ الخير، وَ تارةً أُخرى مِن جانب الشرّ؛ ابتغاءَ تحريكِ العقولِ وَ إِثارتها للدخولِ فيما وراء الوراء لكُلِّ شيءٍ يتمُّ عرضهُ إِليها (لا عليها).

بصفتي مُحقِّقٌ مُدقّقٌ أَمينٌ، وَ بصفتي مؤسِّسُ العلم الماورائيّ في كشف الحقائق وَ الخفايا وَ الأَسرار، الّذي لا عَلاقةَ لَهُ بعلم الماورائيِّات الخاصّ بما وراء الطبيعية المعروف بمصطلح الميتافيزيقيا (Metaphysics)، فإِنَّ منهجي في البحثِ عن الحقائقِ هُوَ منهجٌ ماورائيٌّ بامتيازٍ، وَ بالتالي: فإِنَّ كُلَّ ما أَضعُهُ على طاولةِ البحثِ أَماميَ يكونُ خاضِعاً لمنهجي الماورائيِّ هذا، عليهِ: فإِنَّ كُلَّ ما وقفتُ عليهِ من إِنجازاتٍ فنيَّةٍ لهذا الفنَّانِ الإِنسانِ، تبيَّنَ لي مِن خلالِها أَنَّها تحمِلُ أَهدافاً وَ غاياتٍ كُبرى، حتَّى أَنَّ في بعضها أَبوابٌ مفتوحةٌ للولوجِ إِلى طبيعةِ الذاتِ الإِلهيَّةِ وَ حقيقةِ صفاتها وَ الهدف الواقعيّ مِن وجودِ الكَونِ برُمَّتهِ دُونَ استثناءٍ، وَ إِنَّما بشكلِ تلميحٍ لا تصريح؛ وَ السببُ في هذا معلومٌ لديَّ؛ لأَنَّ مُجتمعاتَنا لا تتقبَّلُ التصريحَ في مثلِ هذهِ الأُمورِ، وَ عندما أَقولُ مُجتمعاتنا، فأَنا لا أَعني الحكوماتَ مُطلقاً، وَ إِنَّما أَعني غالبيَّةَ أَفرادِ الشعب مِنَ الخاضعينَ إِراديَّاً لسطوةِ آراءِ كهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدِّينِ الْمُتأَسلمينَ لا الْمُسلمين، الّذينَ يُكَفِّرونَ كُلَّ ذي فكرٍ حُرٍّ يكشِفُ للآخرينَ حقيقتَهُم الّتي أَخفوها تحتَ لباسِ الدِّينِ، وَ الدِّينُ مِن هؤلاءِ الكهنةِ المتأَسلمينَ بريءٌ جُملةً وَ تفصيلاً.

لو دققت أَنت في مسلسل (زلزال) مثلاً، أَو في مُسلسل (الأُسطورة) على وجهِ الخصوص، يمكنك إِيجادُ هذهِ التلميحاتِ (الأَبواب) في ثنايا حوارِ شخصيَّاتِ المسلسلِ أَو في أَفعالهم وَ ردودِها تجاهَ أَفعالِ الآخرين ضمنَ سياقِ السَردِ القصصيِّ الحركيِّ للمسلسل.

بالطبعِ، أَنَّ الّذي وضعَ هذهِ الأَبوابَ هُوَ المؤلِّفُ وَ ليسَ محمَّد رمضان أَو محمَّد السبكيّ، علماً أَنَّ محمَّد السبكيّ لم يكُن مُنتجاً لهذينِ الْمُسَلسَلينِ، إِنَّما ذكرتُهُ لك مِن بابِ الاستئناس لا الاستدلال، فـ (زلزال) من تأَليف عبد الرّحيم كمال وَ إخراج إبراهيم فخر و إنتاج تامر مُرسي، وَ (الأُسطورة) مِن تأَليف محمّد عبد المعطيّ وَ إخراج محمَّد سامي وَ إنتاج وليد الإبراهيم، إِلَّا أَنَّ السؤالَ الّذي يطرَحُ نفسَهُ هُوَ:

– أَليسَ للفنَّانِ الْمُمثــِّلِ وَ للفنَّانِ الْمُنتِجِ عَقلٌ يُفَكِّرُ وَ قَلبٌ يشعرُ أَيضاً؟

بالطبعِ لَهُما عَقلٌ وَ قلبٌ كِلاهُما، وَ بالتالي: فَهُما يُفكِّرانِ وَ يَشعُرانِ، وَ هذانِ (التفكير وَ الشعور) هُما الّذينِ يدفعانهما بالدرجةِ الأُولى لاختيارِ هذا السيناريو عَن غيرهِ؛ وَ ليسَ المال؛ لأَنَّ العملَ الفنيَّ إِن لَم يَكُن يحمِلُ غايةً كُبرى وَ هدفاً أَكبر لَن يُمكنهُ أَن يُحقَّقَ مُشاهداتٍ أَعلى، وَ بالتالي: سيكونُ لهذا العملِ الّذي وقعَ عليهِ الاختيارُ، طلباً مُتزايداً مِنَ الجمهورِ، مِمَّا يُحقِّقُ أَخيراً الحصول على عددٍ أَكثرٍ مِن المال.

إِذاً: فهيَ عمليَّةٌ ترابطيَّةٌ تخضعُ لتفكيرِ العقلِ وَ شعورِ القلب، وَ ليسَت مُجرَّدُ عمليَّةٍ عشوائيَّةٍ تعتمدُ أَرقامَ أَثمانها كما يظنُّ الجاهلونَ بحقيقةِ هذهِ الأُمور.

هذهِ العمليَّةُ الترابطيَّةُ تأَخذُ الشكلَ التلقائيَّ لها مع مرورِ الأَيَّامِ وَ تراكب الخبرات (لا تراكمها) لدى أَصحابها، مِمَّا يعني بداهةً أَنَّ المؤلّفَ وَ الْمُخرِجَ وَ الْمُمثــِّلَ وَ الْمُنتِجَ أَيَّاً كانوا إِنَّما هُم يسعونَ سعياً حثيثاً لإِيصالِ عملٍ إِبداعيٍّ يحملُ غايةً كُبرى وَ هدفاً أَكبر؛ ابتغاءَ تحريكِ العقولِ وَ إِثارتها للدخولِ فيما وراء الوراء للعملِ الفنيِّ المعروضِ أَمامَها، وَ أَمَّا ما يجنوهُ مِن مالٍ فَهُوَ تحصيلُ حاصلٍ وَ وسيلةٌ لاستكمالِ المسيرةِ في تحقيقِ الغايةِ المتوخّاة وَ إِحرازِ الهدفِ المنشود ليسَ إِلَّا.

الأَمرُ في غايةِ البساطةِ، إِنَّهُ أَشبَهُ بصانعِ السكِّينِ وَ بائِعها وَ مُشتريَها، ليسَ بالضرورةِ أَن تكونَ نيَّةُ صانعِ السكِّينِ أَن تُستَخدَمَ السكِّينُ في القتلِ، وَ إِنَّما أَن تُستخدَمَ في تقطيعِ الطِعامِ وَ تجهيزهِ لأَجلِ تغذيةِ الإِنسانِ، فالّذي يشتري السكِّينَ هُوَ الّذي يُحَدِّدُ طبيعةَ استخدامِها:

– هلَ سيستخدِمها في تقطيعِ الطعام؟

– أَم سيستخدمها في قتلِ إِنسان؟!

استخدامُها في تقطيعِ الطعامِ هُوَ خيرٌ وَ ليسَ شرَّاً، وَ استخدامُها في قتلِ إِنسانٍ هُوَ شَرٌّ وَ ليسَ خيراً.

العملُ الفنيُّ مثلَ السكِّينِ تماماً، صانعُهُ هُوَ الفنَّانُ المؤلِّفُ وَ الفنَّانُ الْمُخرِجُ وَ الفنَّانُ الْمُمثــِّلُ سويَّةً، وَ بائعُهُ هُوَ الفنَّانُ الْمُنتِجُ، وَ مُشتريهُ هُوَ الإِنسان، وَ هذا الإِنسانُ الّذي اشتراهُ هُوَ الّذي يُحدِّدُ كيفيَّةَ استخدامهِ لهذا العملِ الفنيِّ، إِمَّا أَن يأَخذهُ معهُ إِلى طريقِ الخيرِ، وَ إِمَّا أَن يأَخذهُ إِلى طريقِ الشرّ المعاكسِ للطريقِ البديلِ الّذي لا ثالث لَهُما أَبداً.

إِذا افترضنا أَنَّ صانعَ العملِ الفنيِّ (أَو أَحدَ أَطرافهِ الثلاث) كانَ ذو نيَّةٍ سيِّئةٍ؛ لمعرفتهِ مُسبقاً أَنَّ السكِّينَ يُمكِنُ استخدامها في القتلِ، فإِذا ارتكبَ أَحدُ المشترينَ جريمةً بهذهِ السكِّينِ (العمل الفنيّ) فـ:

– هل تقعُ المسؤوليَّةُ على الصانع؟!

– أَمْ على البائع؟!!

– أَمْ على المشتري ذاتهِ هُوَ؟

وَ حتَّى إِذا ارتكبَ المشتري هذهِ الجريمةَ، فـ:

– كَم هيَ أَعدادُ المشترينَ الّذينَ ارتكبوا جرائمَ قتلٍ بسكِّينِ قَد اشتروها؟!!

– هل جميعُ المشترينَ ارتكبوا جرائمَ القتل؟!!!

– أَم أَنَّ نسبةً ضئيلةً هيَ الّتي ارتكبت جرائمَ القتلِ وَ الآخرونَ أَصرّوا على استخدامِ السكّاكينِ في تقطيعِ الطعامِ لا استخدامها في القتل؟!!!

السؤالُ الأَهمُّ هُوَ:

– لماذا أَغلبُ الّذينَ يشترونَ السكاكينَ على مُستوى العالَمِ كُلِّهِ يستخدمونها في الخيرِ وَ أَغلبُ الّذين يُشاهدونَ الأَعمالَ الفنيَّةَ في مُجتمعاتنا يستخدمونها في الشرِّ بإِحداثِهم الفسادَ وَ الإِفساد؟!!

الجوابُ:

– هُوَ الوعيُّ الثقافِيّ الّذي يُحدِّدُ ماهيَّةَ وَ غاياتَ الشيءِ وَ أَهدافهِ.

النَّاسُ كُلُّهُم في شتَّى البقاعِ وَ الأَصقاعِ لديهم وعيٌ ثقافِيٌّ يؤكِّدُ لَهُم أَنَّ أَصلَ استخدامِ السكّينِ في الخيرِ لا في الشرِّ، وَ أَنَّ الّذي تقعُ عليهِ مسؤوليَّةُ تغييرِ هذا الأَصلِ تغييراً عمليَّاً ملموساً، هُوَ الّذي قامَ بعمليَّةِ التغييرِ تلك، وَ الّذي هُوَ مُرتكِبُ الجريمةِ ذاته.

الوعيّ الثقافِيّ لا يتكوَّنُ بالمعرفةِ فقط، وَ لا يتشكَّلُ بالحصولِ على الشهاداتِ الأَكاديميَّةِ أَيَّاً كانت درجاتُها، وَ إِنَّما يتكوَّنُ مِن إِثارةِ العقل في إِحداثِ التفكير وَ يتشكَّلُ مِن إِثارةِ القلبِ في إِيقاظِ الشعور.

في مُجتمعاتنا، الّتي اعتادَت في غالبيِّتها طوالَ قرونٍ عديدةٍ مضَت، على وضعِ عقولها وَ قلوبها طواعيَّةً في يدِ كهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدِّينِ الْمُتأَسلمينَ لا الْمُسلمين، نجدُ أَنَّ عمليَّةَ إِثارةِ العقلِ وَ القلبِ لدى هؤلاءِ الواضعينَ متوقّفةٌ تماماً، وَ بالتالي: فعلى رَغمِ امتلاكِ الشخصِ (ذكراً كانَ أَو أُنثى) شهاداتٍ أَكاديميَّةٍ عُليا، أَو معلوماتٍ معرفيَّةٍ كثيرةٍ ناتجةٍ عن قراءاتٍ عديدةٍ، على رغمِ هذا، تكونُ درجةُ الوعيّ الثقافِيّ لديهِ صِفراً، وَ غالباً حتَّى تحتَ الصفرِ بمستوياتٍ أَيضاً، وَ يَظهَرُ هذا جَليَّاً واضِحاً في الافتراءِ الّذي يوجِّهُهُ الكثيرونَ تجاهَ الآخرينَ، بمَن فيهم توجيهِهم الاتِّهام إِلى محمَّد رمضان أَو إِلى محمَّد السٌبكيّ أَو إِلى أَيِّ شخصٍ آخرٍ غيرهما، سواءٌ كان الشخصُ هذا فنَّاناً، أَو إِنساناً فقط.

وَ هذا هُوَ السببُ الواقعيُّ الّذي أَحدثَ هُوَّةً كبيرةً بينَ مُجتمعاتنا الشرقيَّةِ العربيَّةِ الإِسلاميَّةِ كما تدَّعي بأَسمائها لا مُسمَّياتها، وَ بينَ الْمُجتَمعاتِ الغربيَّةِ الأَعجميَّةِ اللا إِسلاميَّةِ كما يُطلِقونَ عليها بغيرِ مُسمَّياتها؛ حيثُ أَنَّ التطوُّرَ الحاصلَ اليومَ في تلكَ الْمُجتمعاتِ إِنَّما هُوَ نِتاجُ تلاقُحِ الأَفكارِ فيما بينَ أَفرادِها، وَ هذا التلاقُحُ ناتجٌ عن وجودِ وعيٍّ ثقافِيٍّ لديهم، الّذي هُوَ حاصِلُ إِثارة العقولِ وَ القلوبِ معاً، وَ الّتي هيَ (هذه الإِثارة) نتيجةٌ طبيعيَّةٌ حينَ يكونُ الإِنسانُ هُوَ سيِّدُ نفسهِ في كُلِّ اختياراتهِ وَ قراراتهِ أَيَّاً كانت وَ حولَ أَيِّ شيءٍ كانت دُونَ استثناءٍ، حتَّى وَ إِن كانَ ذلكَ الاختيارُ أَو القرارُ مُتعلّقاً بإِيمانهِ أَو كُفرهِ بالله، وَ هذهِ السيادَةُ هي ما نُسميِّها باسمِ: (الحريَّة)، هذهِ الحريَّة الّتي أَكّدَ عليها القُرآنُ الكريمُ صراحةً بقولهِ الشّريف:

– {مَنْ شَاء فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاء فَلْيَكْفُرْ}.

[القُرآن الكريم: سورة الكهف/ من الآية (29)]

لكن! للإِيمانِ عواقبٌ، وَ للكُفرِ عواقِبٌ أَيضاً، وَ لكُلِّ واحدٍ منهما طريقٌ يوصِلُ إِلى نهايةٍ مُختلفةٍ تماماً، إِنَّما الّذي يُصدِرُ الْحُكمَ بذلكَ هُوَ القاضي القُدُّوسُ الّذي هوَ اللهُ، وَ ليسَ البشر.

– إِذا اشتريت أَنت سكّيناً، وَ قتلت أَنت بها إِنساناً، فَعاقبتُك ستكونُ وخيمةً حتماً.

– إِذا اشتريت أَنت سكّيناً، وَ قطعَت أَنت بها الطعامَ فقط، فَعاقبتُك ستكونُ حِسنةً حتماً.

الأَمرُ ذاتُهُ يتعلّقُ بتلقّي الأَعمالِ الفنيَّةِ أَيَّاً كانت، أَنت الّذي تتحمّلُ مسؤوليةَ استخدامك لها، ما لَم تمتلك (ين) أَنت وعياً ثقافيَّاً لن يمكنك أَن تُميِّزَ شيئاً بينَ استخداماتِ الشيءِ أَيَّاً كانَ الشيءُ هذا، وَ ما دُمت أَنت عبداً (أَو أَمَةً) لدى كهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدّينِ فلن تكون (ي) سيِّد (ة) نفسك أَبداً، وَ ما دمت أَنت لست سيِّد (ة) نفسك لن تكون (ي) أَنت مِمَّن يعبدونَ الله! وَ بالتالي (في هذهِ الحالة) فأَنت ممَّن أَشرك بالله.

مِن هُنا نجِدُ أَنَّ مُجتمعاتَنا تُحارِبُ الْمُبدعينَ وَ الْمُبدعاتِ وَ تعملُ على إِبادتهم بشتَّى الوسائلِ وَ الإِمكانيِّاتِ؛ إِذِ الغالبيَّةُ مِمَّن في مُجتمعاتنا هُم جاحدونَ حاقدونَ حاسدون مُنافقون بامتيازٍ، يَفترونَ على كُلِّ فنَّانٍ بإِصدارِهم أَحكامَهُم المعتمِدَةِ على ظواهرِ الأَشياءِ لا على ما وراءِ ورائها!

وَ من هُنا أَيضاً، نجدُ الجاهلينَ وَ الغافلينَ وَ ذوي النوايا الحسنةِ الّذينَ يسيرونَ على طريقةِ (مِنَ الْحُبِّ ما قتل) دُونَ أَن يشعرون!

وَ مِن هُناك نجِدُ أَنَّ تلكَ الْمُجتمعاتَ تُعاضِدُ الْمُبدعينَ وَ الْمُبدعاتَ؛ ِإذ الغالبيَّةُ مِمَّن في مُجتمعاتِهم هُم شاكِرونَ مُحِبُّونَ مُغبـِطونَ صادقونَ بامتيازٍ، لا يَفترونَ على مخلوقٍ أَيَّاً كانَ؛ بعدمِ إِصدارِ أَحكامِهم حتَّى يتيقّنوا بالدليلِ وَ البُرهان.

وَ مِن هُناك أَيضاً، نجدُ العاقلينَ وَ المتبصِّرينَ وَ ذوي النوايا السيِّئةِ الّذينَ يسيرونَ على طريقةِ (تبادل المنفعة) وَ هُم يشعرون!

في مُجتمعاتنا، يمتدِحُ أَحَدُهم رَجُلاً كوريَّاً فَقيراً اِستطاعَ تحقيقَ النجاحِ، وَ يُطَبِّلُ لَهُ وَ يُزغَرِدُ ببيانِ خصالِهِ وَ صِفاتهِ!!! فقُلتُ لَهُ وَ لا زِلتُ حتَّى الآنَ أَقولُ:

– كُن واقعيَّاً وَ صادِقاً في كَشفِ الحقائقِ، هذا الكُوريُّ وَ أَمثالُهُ لَم يَصِلَ إلى ما وصلَ إليهِ لذكائهِ، وَ نحنُ لم نتمكن منَ الوصولِ إِلى أَيِّ شَيءٍ رُغمَ مُحاولاتنا ليسَ لِغبائنا، فَقَط: في مُجتمعاتِهِم يُساعِدونَ الفاشِلَ حتَّى ينجحَ، وَ في مُجتمعاتِنا، يَسحقونَ الناجحَ حتَّى يتمنَّى الموتَ عِوَضاً عَنِ الفَشل، فأَيُّ خزيٍّ وَ عارٍ لمجتمعاتنا المتأَسلمَةِ جُلّها لا المسلمة الّتي يَّدعي أَغلبُ مَن فيها الإِسلامَ لَعقاً على أَلسنتِهم وَ الإِسلامُ الأَصيلُ مِنهُم بريءٌ جُملةً وَ تفصيلاً؟!، وَ أَيُّ شَرفٍ ما بعدَهُ شرفٌ لمجتمعاتهِم رُغمَ عدم اعتناقهم الإسلامَ؟!، فوا أَسفي على ما نحنُ فيهِ، وَ وا شَجني على ما فَرَّطنا أَنا وَ أَمثاليَ في حياتنا وَ مُمتلكاتنا مِن أَجلِ جلبِ المنفعةِ إِلى مُجتمعاتنا المجحِفَةِ هذهِ الّتي لا يَستحِقُّ أغلَبُ مَن فيها إِلّا التجاهُلَ وَ النسيانَ.

لذا: فإِنَّ مُحمَّد رمضان، وَ كُلُّ فنَّانٍ سِواهُ، بمَن فيهِم أَنا بصفتي فنَّانٌ مؤلِّفٌ، فإِنَّ كُلَّ واحدٍ مِنَّا في مُجتمعاتنا الشرقيَّةِ العربيَّةِ الإِسلاميَّةِ كما تدَّعي بأَسمائها لا مُسمَّياتها، هُوَ:

– إِنسانٌ فنَّانٌ مُفترى عليه دُونَ انقطاع.

– {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}..

[القرآن الكريم: سورة الزخرف/ آخِر الآية (65)]

– {انظُر كَيفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}..

[القرآن الكريم: سورة الأَنعام/ الآية (24)]

– {وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثقَالَهُمْ وَ أَثقَالاً مَعَ أَثقَالِهِمْ وَ لَيُسأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

[القرآن الكريم: سورة العنكبوت/ الآية (13)]

لا أَزالُ أُردِّدُ صادحاً:

– ما دُمنا نعيشُ في مُجتَمَعٍ غالبيِّتُهُ يَفتَقِدُ الثقةَ باللهِ وَ بنفسهِ أَيضاً، وَ يَضَعُ مقاليدَ آخرتهِ وَ دُنياهُ في أَيدي سُفهاءِ الدِّينِ كهنةُ المعابدِ الْمُتأَسلمينَ لا الْمُسلمينَ، جاعِلاً مِنهُ خروفاً مُطيعاً لَهُم بأَدنى مُستوياتِ الطاعةِ العَمياءِ، فسَنرى المزيدَ مِنَ الاِنحِطاطِ الأَخلاقيِّ الْمُشينِ، وَ سَنشهَدُ المزيدَ مِنَ الفسادِ وَ الإِفسادِ في البلادِ وَ العِبادِ على حَدٍّ سواءٍ!

وَ سَنُكوى بالمزيدِ مِنَ الافتراءاتِ تلوَ الافتِراءات، فوَيلٌ لأُمَّةٍ قَتلتها أَطماعُها، فباتت ترقُدُ في قُبورِ الْجَهلِ وَ النِّفاق!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق