اخبار عربية

القوة الأميركية الناعمة في لبنان

خالد المعلم

أمين الإعلام في حزب الاتحاد

منذ بداية الألفية الثالثة بدأ اتجاه الدول نحو الانسحاب من مبدأ الحروب الشاملة المباشرة ومحاولة الاستعاضة عنها بحروب محدودة إضافة إلى استعمال سلاح جديد أثبت فعاليته بشكل كبير يتمثل بالقوة الناعمة المتمثلة بالإعلام وصناعة الرأي العام، فالإعلام المدروس أثبت نجاعته وأنه قادر على تحويل الكذب إلى حقيقة وتحويل الحقيقة إلى كذب وهو بات في عصرنا الحاضر قوة معنوية سحرية قادرة على توجيه وصناعة الرأي العام واتنهار الجدران العازلة والمحميات

ففي وقت تواجه فيه منظومة الإعلام المقاوم شح الموارد المادية والمعنوية والأفكار الخلاقة القادرة على جذب الناس إليها، تكثر وسائل الإعلام المدعومة اميركيا، وتتصاعد التحديات ويمتد الإشعاع الإعلامي خارج حدود الزمان ليصل إلى كل بيت تلفزيونيا وعبر وسائل التواصل ولكل هاتف ذكي، بحيث ان كم المعلومات المتساقطة على المتلقي تجعله في احيان كثير غير قادر على تصنيفها وفلترتها لأخذ الصادق منها ورمي الكاذب جانبا، وبهذا يكون مبدأ وزير دعاية هتلر “جوبلز” ناجحا وناجعا حين قال: اكذب اكذب اكذب فلا بد أن يعلق شيئا في أذهان الناس.

في منطقة الشرق الأوسط علينا الاعتراف أنها أرض خصبة لتلقي بذور الإعلام (الغربي) التي تلقى في تربتها خاصة في ظل التنوع الديني والعرقي والمذهبي من جهة وفي ظل ما تملكه من إمكانات كبيرة وبرامج قادرة على الجذب والإبهار أيضا بحيث أنها قادرة على توفير بنية ذهنية وعاطفية وانفعالية تسوق المتلقي رويدا رويدا في الاتجاه الذي تريد بشكل مبطن فيصبح المتلقي متعلقا بهذه الوسيلة ومصدقا لكل ما تبث من إشاعات ويصبح نجاح هذه الوسائل في أداء دورها من خلال تشكيل معنى معين في ذهن المتلقي ومن الممكن توقع سلوكه بناء على خريطة إعلامية مدروسة، وهو ما اتبعته الولايات المتحدة الأميركية من خلال بعض وسائل الإعلام المتلفزة كتلك الموجودة في لبنان مثلا بوضعها في تواصل مع النخب والجماهير من خلال الغريزة البشرية عبر تدبير تدفقات إعلامية وتواصلية وثقافية أو في بناء أفكار وقناعات معينة تدخل تحت عناوين براقة وجاذبة كمحاربة الفساد.

فالسياسة الأمريكية التي توفر تراكما أكثر من كاف لمقاربة انتشار أفكارها كوسيلة حرب إيديولوجية تم التفكير فيها استراتيجيا من أجل الإخضاع الثقافي والسياسي للخصوم المحتملين للامبراطورية الأميركية تحت عنوان التأسيس “لوهم الحرية” لدى الإنسان وهي ذات قدرة تعبوية هائلة متمحورة حول شعار المساواة والعدالة الاجتماعية. بمنتجاتها الفنية الواسعة الانتشار، بمؤسسات إعلامية موجهة للتبشير بالحرية والديموقراطية، بتجنيد فكري لنخب مثقفة مؤثرة في الرأي العام، بإحداث مراكز ومؤسسات ثقافية أمريكية في حين أن الاوروبيين مثلا يرون فيها بؤرة لضياع الهوية في بعدها القطري والأوروبي.

إن أبلغ مثال على الحرب الأميركية الناعمة في لبنان هو ما أعلنه جفري فلتمان في العام 2010 بأن بلاده أنفقت منذ العام 2005 حتى العام 2010 مبلغ 500 مليون دولار من أجل تشويه صورة حزب الله، وطلبا جميعنا نعلم أن هذه الأموال لم تنفق على سلاح وإنما في سبيل الدعاية وكما أننا بالطبع نستطيع ان نستنتج أن هذه الاموال لم تتوقف من العام 2010 حتى اليوم بل دفع أضعافها، خاصة بعد ان اقتنعت أميركا ان النصر في الحروب العسكرية مكلف جدا بل غير مضمون، ولها في حرب تموز من العام 2006 نموذجا.

للأسف فإن الهوة السحيقة بين إعلامنا المقاوم والإعلام الآخر جعلته يتفوق مرحليا في هذه المواجهة فتم صناعة رأي عام في لبنان معبأ ضد العهد نتيجة أزمات متلاحقة ومفتعلة من أزمة الدولار إلى ازمة الرغيف إلى أزمة الوقود إلى أزمة الدواء وتوجت بالحرائق التي انتشرت على مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية والتي أفردت لها وسائل الإعلام اللبنانية فترات نقل مباشر بشكل شبه دائم مع ما يترتب على ذلك من أعباء مادية، علما أن كل الوسائل الإعلامية اللبنانية المتلفزة تئن تحت عبىء الديون، فتمت جدولة ديونها قبل الأزمة بشكل مشبوه من مصرف لبنان.

ومما زاد الطين بلة أننا كطرف مقاوم لم نستطع أن نقدم نموذجا ناجحا في محاربة الفساد وانغمسنا في لعبة السياسة تحت مسمى حكومة الحاجة والوحدة الوطنية وهذه حقيقة يجب ان نعترف بها.

إن ما جرى يستحق منا أن ندعو الإعلاميين وعلماء الاجتماع لدراسة ما جرى بشكل معمق من اجل وضع الخطط المستقبلية للمواجهة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق